سافر و لا تخبر احداً !

ربما أشد مخاوف الإنسان هي التي تدفعه ليقوم بالتجربة !

هذا ما حدث معي في أغسطس ٢٠١٦ ، و لكن سوف أعود بالزمن للوراء لكي أتحدث عن البداية،

كثيرا ما كنت اقلب وجهي في الخرائط بدايةً من تلك الخريطة التي توضع في دفاتر الأعمال على أحد جنبيه ، حينما أفرغ من تدوين او كتابة مذكرات ذلك اليوم ، و اسرح فيها متأملاً ،، ( لستُ شاعرياً وإنما هذه الحقيقة )

 

Screen Shot 1438-09-13 at 11.19.23 PM

فعلياً انا حافظ الشكل العام لخارطة العالم و احفظ التفاصيل الرئيسة و اغلب مواقع الدول ، دون تكلف مني او جهد ، واستشعر أن الله لم يخلق كل هذا لاظل  جالس و لا ارِى عجائب خلقه ، ولكن هذا الكلام لا يجدي فما زلت صغير على السفر . و بصراحة لم اكن شغوف و متلهف للسفر ، اكثر من رغبه ان تطأ قدمي ارض غير الارض و تمطر علي  سماء غير السماء . ان اتخيل نفسي في الجانب الاخر من الارض وحيداً. اتذكر انني كتبت في احد مذكراتي القديمة ذلك ، ربما فرصة الابتعاث بعد الثانوي لو تحققت لحلة القضية و أشبعت تلك الرغبة التي تفاقمت الى ان اصبحت حاجه و حلم ينبغي تحقيقه، كنت اسافر و لكن داخل حدود الخليج ، ولم تكن حسب طقوسي و ما أتمناه من السفر . كانت تتاح لي بعض الفرص و لكن سرعان ما افقدها ! و في ٢٠١٦ عزمت أن هذه السنة لن أجعلها تفلت مني دون تحقيق شيء ، و فعلاً هذا ما حدث .

كانت احد احلامي ان اسافر وحيداً لا اعلم السبب ولكن هذه الفكرة بالتحديد يقشعر لها جسمي من الحماسة. أن تكن هناك في البعيد حيث لا احد سواك في عُزلة حقيقة عن كل شيء تعرفه.  الوجوه غير الوجوه ، الارض غير الارض ، الشوارع و الكراسي و الناس كل شيء جديد. هناك لا احد يحبك و لا أحد يكرهك ، انت غير معروف ! لا أحد يعبأ بوجودك . قد تستقل احد قاطرات المترو في زحام شديد دون أن يكترث أحد بك!

هذا ما كنت افكر فيه و احلم به ، ان اجلس على كرسي خشبي يشاطرني نصفه الثاني شخص لا اعرف فنتحدث قليلاُ ثم اذهب في طريقي و هو في طريقة . الكثير من التعارف و الكثير من الوداع! دون ارتباط .

و هذا ما حدث في أحد شوارع باريس حينما كنت جالس لوحدي الا ان جلس بجانبي شخص نسيت اسمه و لكن بدت عليه ملامح السفر ، فكان يحمل شنطة ظهر كبيرة . فتركته يرتاح قليلاُ قبل أن أُباغتهُ  بسؤالي: ” تبدو رحلة طويلة ومتعبة ؟ ” أجابني : ” متعبة جداً وممتعة جداً ”

فكان صديقي هذا تركي الجنسية يقوم برحلة منفرد بدايتاً من تركيا مروراً بعدة دول أوروبية متنقلاُ عبر القطارات و الباصات و الاقدام احياناً أخرى! وهو طالب طب و قرر أن يقوم بهذه التجربة بعد عام دراسي طويل ، فتحدثنا لدقائق بالإنجليزية لأنه لا يتقن العربية، ثم ودعته و ذهب لمحطته الأخيرة أمستردام ومن هناك يستقل الطائرة العائدة إلى تركيا .

 

اما رحلتي انا فكانت في الشهر المقدس بالنسبة لي اغسطس ، حينما عزمت منذ فترة طويلة ان اقوم بهذه التجربه و ليس السفرة فحسب، و ربما اهم اهدافها  ان احقق اشياء داخلية و ان اتخلص من اخرى ، فقد لا تصدق انه رغم كل هذا الحماس للسفر الا انني اخشى صعود الطائرة! ليست فوبيا و لكن اتوجس منها و اكون قلق قبل الرحلة وأثناءها، و لكن لن يحل مشكلتي سواي فلن تأتي قوة خارجيه تساعدني .   و ايضاً من اهداف الرحلة ان اعيش التجربة وحيداً منفرداً كما حلمت ، الخلوة هي ما كنت احتاجه و لا زلت.

و كما قال جبران خليل جبران :”سافر ولا تخبر أحدًا، عش قصة حب صادقة ولا تخبر أحدًا ، عش سعيدًا ولا تخبر أحدًا الناس يفسدون الأشياء الجميلة “.  وهذا ما قمت به.

لم تكن الوجهة واضحة لي قبل ان اسافر فقط اريد ان اقوم بالتجربة فحسب. أوروبا هي الوجهة بلا شك و لكن لم احدد الدول او حتى البداية و خط السير ، واخيراً كانت فرنسا هي من اخترتها أن تكون البداية و باريس بالتحديد . قستها من مبدأ ان الانطباع الاول هو المهم فاريد ان تكون خير بداية ، وكتبت هذا في تويتر حينما وصلت هناك ” اختر البداية بعناية ” كتبتها وانا في قارب في نهر السين و على يميني كان برج ايفيل . فعلاً كانت خير بداية .

الخطة المبدئية كانت باريس البداية ثم بروكسل في بلجيكا ثم أمستردام النهاية ، و هي قابلة للتغيير في أي وقت، و هذا ما حدث بالفعل . ولكن كان هذا بعد ان تهت على الخريطة و انا ابحث و اقرا ،  اريد ازور كل شيء فكنت قد فكرت في آنسي الفرنسية تلك المنطقة الصغيرة الجميلة و العديد من المدن زرتها على الخريطة فقط لكي احسم الامر .

خيارات السكن كنت قد قررت أن أجرب كل شيء ، فسبق ان بحثت ولدي تصور كامل عن جميع الخيارات الممكنة ، فقررت ان اجرب الفندق و الهوستيل و Airbnb و الكاوتش سيرفنق ، اما التنقل بين الدول فقررت ان اجرب النقل التعاوني اي السفر مع المسافرين ، فتستطيع أن تركب مع شخص له نفس وجهتك بمبلغ بسيط و ذلك عبر الحجز عن طريق الموقع . موقع تعاوني تبحث عن المسافرين بنفس وجهتك و انت تختار أحدهم لينقلك معه ، تجربه جديده و فرديه .

 

IMG_0329

اخيراً حان موعد الرحلة و لم اخبر احداً قط فقد حملت حقيبتي وتوجهت للمطار ، دونت جميع لحظاتها في مذكراتي الورقية و ركبت الطائرة لإحقق اول اهدافي بالتخلص من ذلك الخوف و تلك اللعنة ، وصلت دبي ثم الطائرة الأخرى A380 المتجهة الى باريس  ، كنت احمل كتاب ” تأملات ما قبل النوم – أوشو ” كان خير صديق بلا شك ، وصلت بعد ٧ ساعات الى مطار شارل ديغول و اكتشفت ان بداخل كل إنسان شخص آخر يظهر في الوقت المناسب ، كنت امشي و ابحث و اتحدث الى ان ركبت القطار الاول و بدلت ثم الثاني الى ان وصلت محطتي المنشودة . كل ذلك أقوم به و كاني سبق أن زرت هذا المكان! و هذا ما تكرر معي طيلة ايام الرحلة أتصرف وكأنني خبير .

IMG_0321
احد صفحات الكتاب

 

هناك قضيت اجمل اسبوعين لم اتعرف فيها على باريس فحسب بل تعرفت على نفسي ،  على من اكون، على مقدرتي على التكيف مع كل شيء ، حدث الكثير منها ما رويته للمقربين ومنها مالم يروى ولن يروى! ربما ارويه في يوم آخر حين  أمشي مع ابني أو حفيدي على نهر السين و أخبره بتجربتي هنا في باريس حينما كنت في عمره . وأطلعه على بعض الاسرار .

كنت اصحوا صباحاً اتجول في اسواق شعبيه محلية لم تدلها اقدام السائحين ، و العصر اقضيه برفقة شخص لا أعرفه،  فقد تعرفت عليه للتو و نتجول سوياً ثم الوداع بلا إلى اللقاء .

احدهم مغربي سواح و اخرى فرنسيه بعروق امريكيه و ثالث لا اعرف جنسيته و العديد من الاصدقاء المسافرين اللطيفين ، أتذكر ذلك الخليجي الذي عرف ملامحي الخليجية في المترو و قدم الي ثم اخذنا نتجول في محطة المترو و نتسوق، فكان اللقاء السريع و المكان البعيد يفرض علينا ان نتجاوز العديد من المقدمات البروتوكولات الرسمية. عرفت كل شيء تقريباً عنه و عرف كل شيء عني بلا تحفظ. فالمكان والزمان والحالة تفرض عليك الراحة و تقبل الجميع .

جربت بعض ما كنت اريد تجربته و بقي الكثير و الكثير ينتظرني ،  كانت من ضمن الخطط ايضاً ان اتطوع في احد المزارع فاعمل بها مدة معينة تزيد عن أسبوعين ،  و لكن لم تنجح في هذه المره ، لكن مالم يتحقق الان  هو سبب كافي يجعلني أعود الى هناك يوماً لتحقيقه .

 

في نظري ان متعة السفر لا تبدأ من حين الوصول للوجهة ، و انما تبدأ من هنا من اول خطوه من اعداد الخطط من الترتيبات من البحث عن شنطة سفر من تصفح مواقع الانترنت ، الى شراء التذاكر ، في كل خطوه متعة .

 

 

لا انسى مشاعر السعادة التي كانت تغمرني عند وصولي مطار الرياض ، ايقنت ان الحلم تحقق وانني متفوق لا على أحد سوى أنني تفوقت على نفسي ، و هذا ما كنت اريده و ابحث عنه.

لم اكترث ان زرت جميع متاحف باريس او لا ،  ان نظرت الى الموناليزا او  لا ، فكانت لي اهداف اخرى مغايرة تماماً عما سواها .

 

IMG_0444

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

WordPress.com. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: